النفط للجميع أو لا لأحد

الخبير الايراني: مرتضى أميري
أصبح الحصار البحري اليوم المحور الرئيسي والمركزي للصراعات الاستراتيجية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة. وتشير مجموعة الأدلة الميدانية وتصريحات المسؤولين الأميركيين إلى أن واشنطن تنظر إلى هذه الأداة ليس كإجراء مؤقت فحسب، بل كذراع ضغط طويلة الأمد وذات هيكلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويقوم هذا النهج على افتراض أن تشديد الحصار البحري، مقترناً بسائر التدابير العقابية والقيود الصارمة على الشرايين الحيوية للاقتصاد الإيراني، سيدفع في النهاية بطهران إلى نقطة الاستسلام.ويمكن تدارس أهمية هذا الموضوع على مستويين: تكتيكي واستراتيجي. فعلى المستوى التكتيكي، يستطيع الحصار الاقتصادي، على المدى الطويل، أن يحدّ من تدفقات التجارة الخارجية الحيوية أو يقطعها، بما يترتب عليه عواقب من قبيل عجز الميزانية، وقفزة أسعار الصرف، واضطراب تنفيذ البرامج الاقتصادية، وصولاً إلى اندلاع اضطرابات اجتماعية. ومثل هذا الوضع، في ظل وجود القوات الأميركية والإسرائيلية واستعداداتهما في المنطقة، قد يتيح فرصة عملياتية للجانب المقابل. أما على المستوى الاستراتيجي، فبعد أن تجلت قدرة إيران على توظيف مضيق هرمز كذراع مقابلة، فإن رهان الولايات المتحدة على أداة ضغط مستدامة وفعالة قد جعل المعادلات الكبرى أكثر تعقيداً.ومع أن توقع لجوء أميركا إلى هذه الأداة كان قائماً، لا سيما بعد تطورات حرب الاثني عشر يوماً وقبل حرب رمضان، فإن الجانب المقابل كان يدرك أيضاً أنه، في ظل استعداد القوات البحرية الإيرانية، يصعب تنفيذها عملياً في الحالة الطبيعية. وقد أتاحت حرب الأربعين يوماً، وما تسبب فيه من أضرار للقطاعات التقليدية من القوات البحرية في الجيش والحرس الثوري، الأرضية للكشف عن هذه الورقة.
وفي تقييم آثار هذا الحصار، يُلاحظ توجهان متضاربان: من جهة، المبالغة في التقدير من جانب الطرف المقابل، الذي كان يتوقع انهياراً اقتصادياً لإيران في غضون شهر إلى شهرين، ومن جهة أخرى، تقدير بعض المحللين الداخليين أن تنفيذ مثل هذا الحصار أمر غير ممكن ومكلف لأميركا.وفي مواجهة هذا التحدي، يمكن تحديد أربع مجموعات رئيسية من الحلول:أولاً: الحلول السياسية يرى جزء من دائرة اتخاذ القرار، أنه من خلال إعطاء مهلة للمفاوضات وإبرام مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، يمكن رفع الحصار بأقل تكلفة. وهذا الرأي لا يستبعد حتى مقايضة هذه الأداة بمضيق هرمز، مستنداً إلى أن الوجود الدائم لإيران في جوار المضيق يتيح إمكانية إغلاقه في أي وقت، في حين أن الحصار الحالي يقوم على الأسطول الأميركي الثقيل في المحيط الهندي وبحر العرب. ومن شأن مذكرة التفاهم، فضلاً عن رفع الحصار، أن تؤدي إلى انسحاب تدريجي لأميركا من المنطقة، مما يبعد هذه الأداة عن متناول العدو الفوري.غير أن النقد الجدي لهذا النهج يتمثل في التساؤل: هل سيتخلى الطرف المقابل بهذه السهولة عن مثل هذه الأداة؟ والأهم، إلى أي مدى يمكن قبول إطالة أمد المفاوضات، وهل لا تتحول هذه العملية ذاتها إلى أداة لتمضية الوقت وزيادة الضغط الاقتصادي؟ كما أن فشل المفاوضات وانتهاك العدو لمذكرة التفاهم السابقة يكتنف الثقة بهذا الخيار بالغموض.
ثانياً: الحلول الاقتصادية والتجارية والماليةبالنظر إلى اتساع حدود إيران، فإن الاستفادة من المسالك البرية والبحرية الشمالية البديلة، وتوسيع المبادلات مع الدول المجاورة، واستخدام قدرات هذه الدول كوسيط في النقل، ومن بينها باكستان، يمكن أن يكون فعالاً في تنويع منافذ الصادرات والواردات. وهذه الإجراءات تساعد في المدى البعيد على تحصين الاقتصاد، وتمنع في المدى القصير انقطاع النفس الاقتصادي كلياً. ورغم ذلك، ثمة أربعة قيود أساسية: أولاً، إن اعتماد نحو 80% من تجارة البلاد على الحدود الجنوبية البحرية يجعل الاستبدال السريع صعباً، وأثر هذه الحلول هو في الغالب طويل الأمد. ثانياً، إن التركيز فقط على التحايل على القيود دون السعي لرفع أصل الحصار يُعتبر بمثابة قبول ضمني للوضع المفروض، في حين أن الهدف الأساسي يجب أن يكون العودة إلى الحالة الطبيعية.ثالثاً، إن تقييد المنافذ الجنوبية والاعتماد على مسالك بديلة قد يضع إيران تحت رحمة الدول المجاورة، ويهيئ الأرضية لاستغلالات مشابهة لما جرى مع الإمارات في مجال الصادرات والخدمات المالية.رابعاً، إن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي، ومن المحتمل أن تستهدف هذه المسالك البديلة ذاتها بطرح خيارات من قبيل الحصار البري.
ثالثاً: الحلول العسكرية المباشرة بُذلت محاولات عدة قبل تفاهم إسلام آباد لكسر الحصار بهذه الطريقة، بقي كثير منها في صمت إعلامي ولم يسفر عن نتيجة ملموسة، كما أن بعض الخطط لم تتاح لها فرصة التنفيذ أصلاً. وتشمل العوامل المثبطة: خطر تحول الاشتباك إلى حرب واسعة، والأضرار التي لحقت بالقوات البحرية الايرانية في الحرب الأخيرة، والتشكيل الدفاعي ونقل الأسطول الأميركي إلى ما بعد المدى الفعال، والفجوة التكنولوجية التسليحية والتفوق الجوي للطرف المقابل. ومع ذلك، لا تزال هناك رؤى لا تستبعد إمكانية كسر الحصار عبر عمل مباشر. ومن المقاربات المطروحة في هذا السياق، إرهاق الأسطول الأميركي من خلال زيادة تكاليفه التشغيلية، على غرار التجربة اليمنية.رابعاً: الحلول العسكرية غير المباشرة لكن الخيار الأكثر فعالية ومتاحاً هو معادلة متقابلة من خلال استهداف المصادر النفطية الاخرى، وإحياء مبدأ قطع تصدير نفط الآخرين مقابل قطع تصدير النفط الإيراني، أو تهديد المسالك البديلة لمضيق هرمز والمضيق نفسه. ويتطلب تحقيق هذا النهج تهيئة المقدمات الفنية والاستخباراتية والسياسية، فضلاً عن تجنب الاعتبارات السياسية والاقتصادية قصيرة المدى، وزيادة مستوى تقبل المخاطر. ورغم ما يحمله هذا المسار من تكاليف، فإنه، استناداً إلى التجربة، يبدو الخيار الأكثر كفاءة.
إن مجمل العوامل المشار إليها وتقييم الخيارات المتاحة، يزيد من احتمال العودة إلى الحلول العسكرية المباشرة وغير المباشرة. ويتطلب النجاح في هذا المسار الإبداع، وتقبل المخاطر، والتركيز على النتيجة، واستكمال جميع المقدمات الداخلية لإدارة التداعيات المحتملة.إن الولايات المتحدة، بعد إخفاقها في تحقيق أهدافها العسكرية، تواجه التحدي الاستراتيجي لمضيق هرمز، وقد اتخذت من الحصار البحري وعمليات الضغط الاقتصادي البنية الأساسية لاستراتيجيتها. وحل هذه المعادلة من جانب إيران، يمكن أن يكمل هزيمة الطرف المقابل، ويغير معادلة القوة على المستوى الكلي تغييراً جذرياً.#مضيق_هرمز #الحصار_البحري_على_ايران #صادرات_النفط
01:28 - 18 اوت 2026




2 پاسخ

تصویر نمایه‌ی ‌دختر سیاست زده‌
@Siyasat2 روز پیش
در پاسخ به
خداقوت

تصویر نمایه‌ی ‌پگاه _الف‌
@Pegah_a2 روز پیش
در پاسخ به
سلام آقای عبدالله خسته نباشید