نهاية وهم .. قراءة استراتيجية في الهزيمة الاميركية أمام ايران
الخبير الايراني: مرتضى أميري
تعدّ تجربة المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية محطةً فارقة في مسار أفول الهيمنة الأميركية في واشنطن، إذ لم تكتفِ واشنطن بالفشل في تحقيق أهدافها المُعلنة، بل مُنيت بهزيمة شاملة على المستويات العسكرية والسياسية والأمنية وحتى الإدراكية. فما صُمّم في الظاهر ليكون عرضاً للقوة، تحوّل في الواقع إلى انهيار في القدرة الردعية والشرعية الإقليمية لأميركا.فلم تتمكّن الولايات المتحدة من الحفاظ على تفوّقها العملياتي فحسب، بل خسرت أو جعلت عرضة للخطر جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية العسكرية ومعداتها الاستراتيجية وقواعدها المتقدّمة في المنطقة. وها هي الهيبة المصطنعة التي استمرت لعقود، والمبنية على الوجود العسكري الواسع وصورة المناعة، تنهار بشكل ملموس أمام صلابة المقاومة الإيرانية. واليوم، باتت واشنطن أكثر من أي وقت مضى في موقع القوة الوهمية والعجز عن إدارة الأزمات الإقليمية.ومن أبرز مظاهر هذا الإخفاق، عجز أميركا عن الدفاع عن قواعدها وتقديم دعم فعّال لحلفائها العرب. فسنوات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية على الدول العربية في المنطقة لم تؤدِّ، عند لحظة الاختبار الحقيقي، إلى أي قدرة دفاعية ذات بال؛ إذ إن هذه الدول التي كانت تعتمد على مظلة الحماية الأميركية، تواجه اليوم الحقيقة المُرّة المتمثلة في عجز حاميها.
وتتجلى التداعيات الجيواستراتيجية لهذه الهزيمة بوضوح في وضع مضيق هرمز؛ فقبل بدء التصعيد، كان هذا الممر الحيوي مفتوحاً مجاناً أمام جميع الأطراف، لكن عبور أميركا وحلفائها اليوم أصبح مرهوناً بالحصول على ترخيص من إيران ودفع الرسوم. وهذا التحول يمثل رمزاً لتغيير حقيقي في ميزان القوى في إحدى أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم.وعسكرياً، ارتكبت أميركا في هذه المواجهة خطأً حسابياً فادحاً، حيث استُهلك وأُهدر جزء كبير من الأنظمة والمعدات الاستراتيجية المدّخرة لسيناريوهات المعارك المستقبلية وحتى صراعات على نطاق الحرب الكبرى. وإعادة بناء هذه القدرات تتطلب موارد مالية ضخمة وفترة زمنية طويلة، مما أضعف بشكل مباشر القدرة الردعية المستقبلية للولايات المتحدة.ولم تقتصر مؤشرات الهزيمة على الميدان العسكري فقط؛ فارتفاع أسعار الوقود داخل أميركا وانعكاس الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية، هما دليلان واضحان على التكاليف الباهظة وغير القابلة للتعويض لهذه السياسة العدوانية. فاقتصاد أميركا، وبتبعه الاقتصاد الدولي، يتحمّلان الآن وطأة هذا القرار الاستراتيجي الخاطئ.وبعد انكشاف العجز عن الحفاظ على المواقع الدفاعية في منطقة الخليج الفارسي، اضطرت أميركا إلى نقل خط دفاعها وجزء كبير من معداتها إلى الأردن والأراضي المحتلة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في وجودها العسكري في الدول العربية المطلة على الخليج. وهذا الانسحاب القسري قد أنهى عصر الهيمنة المطلقة لواشنطن على البنية الأمنية للمنطقة.
واليوم، تم رصد وتحليل الأنماط التشغيلية والخرائط الاستراتيجية والتكتيكات الأميركية تجاه إيران بشكل كامل. ولم يعد عنصر المفاجأة، الذي كان يُستغل في فترات مثل حرب الأيام الاثني عشر أو العمليات المرتبطة بشهر رمضان، فعّالاً كما كان سابقاً؛ إذ باتت إيران اليوم، بفضل إحاطتها الاستخبارية والعملياتية الشاملة، في موقع اليد العليا والردع الفعّال.وهكذا، لم تظهر المواجهة الأخيرة الهزيمة التكتيكية لأميركا فحسب، بل عجّلت في انحسار بنيوي لقوتها الصلبة والناعمة في المعادلات العالمية. وها هي منطقة الشرق الأوسط تدخل مرحلة جديدة من ميزان القوى، تخرج فيها زمام المبادرة بشكل متزايد من سيطرة الولايات المتحدة، ليشهد العالم بزوغ سيطرة إقليمية جديدة تتمثل في إيران.#الهزيمة_الاميركية_امام_ايران #القواعد_الاميركية #الخليج_الفارسي 02:22 - 13 مرداد 1405