عندما يقترب عصر العقوبات من نهايته

ما كان يُعرَض لسنوات كسلاح منخفض التكلفة يستخدمه الغرب، يُواجه اليوم تناقصاً في العائد، حيث أثرت العقوبات على النظام الاقتصادي العالمي أكثر من استهدافها للحكومات.
وكالة انباء فارس:تحولت العقوبات التي كان من المفترض أن تكون الأداة الرئيسية للضغط الغربي، الآن إلى علامة على تراجع القوة، وما يحدث اليوم في المواجهة بين الولايات المتحدة وفنزويلا ليس مجرد خلاف ثنائي؛ بل هو رمز لانهيار نموذج قديم للهيمنة في النظام العالمي الذي يتحرك بسرعة نحو تعدد الأقطاب.ففي الأسابيع الأخيرة، تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا مرة أخرى؛ بدءاً من مصادرة ناقلة نفط فنزويلية، ومروراً بفرض عقوبات جديدة على دائرة المقربين من نيكولاس مادورو، وفي الوقت نفسه زيادة الاتصالات الدبلوماسية لكاراكاس مع موسكو، وإذا نظرنا إلى كل من هذه الأحداث بشكل منفرد، فقد تبدو مجرد إجراءات مؤقتة، ولكن معاً تكشف صورة أكبر: تآكل فعالية العقوبات وانتقال الغرب من الضغط الاقتصادي نحو الإكراه الأمني والمصادرة المباشرة. هذا التحول في المسار، أكثر من كونه علامة على الهيمنة، هو اعتراف غير مرغوب فيه بحدود النفوذ الغربي في النظام العالمي الجديد.العقوبات .. العقيدة الأمريكية المحبوبة التي تتهاوى اليوملعقود من الزمن، كانت العقوبات الاقتصادية الأداة الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية؛ سلاح منخفض التكلفة ظاهرياً كان من المفترض أن يجبر الحكومات المعارضة على الاستسلام السياسي دون الدخول في حرب عسكرية.في حالة فنزويلا، كان لهذه السياسة هدف أعمق: السيطرة على أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم. سنوات من العزلة المالية، وتجميد الأصول، والقيود التجارية نُفذت بهدف إضعاف وإسقاط حكومة فنزويلا البوليفارية في النهاية.
لكن ما كانت النتيجة؟ لم تنهار حكومة فنزويلا فحسب، بل أعادت تنظيم نفسها. وجهت كاراكاس صادراتها النفطية نحو أسواق بديلة، وتجنبت مسارات الدفع المالي المهيمنة من قبل الولايات المتحدة، وعززت علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين وإيران. ما كان يُقصد به الخنق الاقتصادي، تحول عملياً إلى محفز للتنويع والاستقلالية الجيوسياسية.مصادرة ناقلة النفط: عندما تفشل العقوبات، تظهر الغطرسة مجردةمصادرة ناقلة النفط الفنزويلية مؤخراً يمكن فهمها تماماً في هذا الإطار. عندما لا تحقق العقوبات النتيجة السياسية المتوقعة، لا يختفي الضغط؛ بل يتغير شكله.في هذه المرحلة، يحل الضغط الاقتصادي محل إجراءات تُطمس الحدود بين العقوبات المالية والإجراءات الأمنية الصريحة. غالباً ما يتم تقديم مصادرة الأصول، والعقوبات الثانوية، والملاحقات القضائية الصاخبة تحت عنوان "إنفاذ القانون"، ولكنها في الواقع علامة على انخفاض النفوذ والارتباك الاستراتيجي، وليس الثقة.
أوروبا وأزمة الشرعية المالية: الخوف من مصادرة الأصول الروسية بالكاملهذه المعضلة ليست مقصورة على الولايات المتحدة والدول المستهدفة بالعقوبات؛ ففي قلب النظام المالي الغربي أيضاً تظهر شقوق خطيرة.قام الاتحاد الأوروبي، بعد حرب أوكرانيا، بتجميد أكثر من 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي، ولكن على الرغم من الضغوط السياسية، لم يتمكن من الانتقال من مرحلة "التجميد" إلى "المصادرة الكاملة".سبب هذا التردد ليس نقص الإرادة السياسية؛ بل هو الخوف البنيوي. يمكن للمصادرة الكاملة لهذه الأصول أن تُنشئ سابقة خطيرة تضعف الأسس القانونية للنظام المالي الغربي، وتؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، وإجراءات انتقامية، وانخفاض الثقة العالمية في أوروبا كملاذ آمن لرأس المال.ولهذا السبب، لجأت أوروبا إلى حلول وسيطة؛ بما في ذلك استخدام عوائد الأصول دون المساس برأس المال نفسه. هذه العجز نفسه يُظهر أزمة أعمق: يمكن للعقوبات أن تشل الأصول، ولكنها لا تستطيع تحقيق انتصار استراتيجي دون إلحاق الضرر بالنظام نفسه.
فشل العقوبات برواية الاقتصاديينيقول فرانسيسكو رودريغيز، الاقتصادي البارز الذي درس فعالية العقوبات لسنوات، بوضوح: "إذا فشلت العقوبات - والأدلة التجريبية تُظهر أنها تفشل في كثير من الأحيان - فإنها لا تحقق أهدافها المعلنة."فنزويلا في هذا الصدد ليست استثناء؛ بل هي مثال واضح على نموذج فاشل. لكن الاختلاف اليوم هو أن الولايات المتحدة تعاني هذا الفشل في بيئة تكون فيها المخاطر المنهجية أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.من الضغط على الحكومات إلى مهاجمة المؤسسات الدوليةمع فشل العقوبات ضد الحكومات، امتد نطاق الضغط إلى المؤسسات الدولية. المثال الصارخ على ذلك هو المحكمة الجنائية الدولية التي أصبحت هدفاً للعقوبات الأمريكية بعد محاولتها النظر في قضايا تتعلق بجرائم حرب.فقد فرضت واشنطن عقوبات حتى على بعض قضاة هذه المحكمة، بما في ذلك القاضي الفرنسي نيكولا جيو. وقال لاحقاً إنه تم وضعه فعلياً على القائمة السوداء في جزء كبير من النظام المصرفي العالمي.
ومع ذلك، لم تعد هذه السياسات فعالة كما في الماضي. فمع دعم سياسي ومالي من دول الجنوب العالمية للمؤسسات المستهدفة، تم إنشاء شبكات بديلة للتعاون. كانت النتيجة أن نظام العقوبات لا يواجه فقط تناقصاً في العائد، بل واجه أيضاً مقاومة نشطة.القمع ينتقل من الاقتصاد إلى الفضاء الإلكترونيعندما لم يعد الضغط الاقتصادي مجدياً، دخلت السيطرة على الرواية وقمع الأصوات إلى الساحة. في السنوات الأخيرة، انتقل منطق العقوبات إلى الفضاء الرقمي أيضاً: تعليق الحسابات، والإزالة من المنصات، وسياسات الرقابة الغامضة التي تُستخدم ضد المحللين والأكاديميين والمنتقدين للسياسات العسكرية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمواضيع مثل الإبادة الجماعية في غزة.هذه ليست عقوبات رسمية، ولكن لها وظيفة مشابهة: الإقصاء بدلاً من الإقناع، وتقييد الوصول إلى الجمهور والموارد والشبكات المهنية.ولكن كما أدى الضغط المفرط في المجال المالي إلى خلق بدائل، فإن المنصات اللامركزية ووسائل الإعلام المستقلة تنمو أيضاً في المجال الإعلامي؛ تماماً كما ولدت مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون من رحم العقوبات.
فنزويلا والتكلفة الإنسانية للعقوباتتم توثيق التكلفة الإنسانية للعقوبات مراراً وتكراراً من قبل مؤسسات دولية مستقلة. أعلن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأثر السلبي للتدابير القسرية أحادية الجانب، بعد زيارة رسمية إلى فنزويلا، أن العقوبات الشاملة وتجميد الأصول كان له تأثير مدمر على عموم السكان وأضعف بشدة وصول الناس إلى الخدمات الأساسية.لا يتعلق هذا الأمر فقط بفنزويلا؛ بل يُظهر التناقض الرئيسي لنظام العقوبات: المعاناة الإنسانية الواسعة النطاق دون تغيير سياسي ذي معنى. تضغط العقوبات على المجتمع أكثر من استهدافها للنخب.
الجنوب العالمي: من الاستسلام إلى التكيفبالنسبة للعديد من دول الجنوب العالمي، هذه التجربة ليست جديدة. أدت عقود من الضغط الاقتصادي إلى التكيف والتنويع والاستقلال بدلاً من الاستسلام.اليوم، لم تعد السيادة المالية وتنوع الطاقة وعدم الانحياز الاستراتيجي شعارات أيديولوجية؛ بل أصبحت ضرورات للبقاء.فنزويلا اليوم هي رمز لهذا التغيير. بدلاً من العزلة، اختارت البلاد مسار الاندماج البديل، وبدلاً من الانهيار، عززت تماسكها خارج الأطر الغربية.
نهاية عصر العقوبات في عالم متعدد الأقطابما نشهده اليوم ليس الانهيار المفاجئ لنظام العقوبات؛ بل هو تآكل تدريجي ولكنه حتمي. الأدوات التي صُممت لعصر الأحادية القطبية، لم تعد فعالة في عالم متعدد الأقطاب.ان العقوبات التي كانت في يوم من الأيام استراتيجية، أصبحت تشبه أكثر فأكثر عرضاً للقوة المجوفة، ويبدو أنها تتبدد بهدوء ولكن دون رجعة.#العقوبات #اميركا #فنزويلا
05:26 - 23 دسامبر 2025

1 بازنشر
302 بازدید